(الراديو.. والحكواتي)
للأديب الكبير/ أحمد حسن الزيات
ومع ذكريات الكاتب والأديب والرائد الكبير "أحمد حسن الزيات" الذي شهر بالرسالة واشتهرت به الرسالة في مقالته البديعة (الراديو.. والحكواتي) التي كتبها ونشرها في مجلة (الرسالة) ذات التاريخ الطويل والعريق في (30 ديسمبر 1934) وهي إحدى افتتاحياته البديعة للرسالة، يسجل فيها ببيان عربي رائق خواطره وذكرياته الوصفية الأمينة عن شهر رمضان الكريم.. الشهر الذي يشع ويتألق في أحياء مصر المحروسة التي تختلف اختلافاً كبيراً عن غيرها من الأماكن في شتى بقاع الأرض في استقبالها للشهر الكريم..
المساجد والمآذن بأنوارها وزيناتها المتلألئة الزاهية، ومظاهر قدوم الشهر الكريم تنم عليها، والوجوه الفرحة المستبشرة، والذكر والسمر، الخشوع والسهر، وكل ما يدل على مظاهر الحياة والفرح خلال الشهر الجليل..
ويرصد بدقة وأمانة وتمكن التطور والتغيير الذي طرأ على الحياة المصرية في الأربعينيات من القرن الماضي، من خلال ملاحظته لشيوع جهاز الراديو وانتشاره في أماكن التجمع العامة (المقاهي) و(الساحات) وحلوله شيئاً فشيئاً محل الشاعر الشعبي والقصاص (الحكواتي) الذي يقص السير وينشد الأشعار ويسحر الألباب بأدائه وإيقاعه المبدع..
مشاهد حية نابضة بالصوت والصورة واللون والحركة لمفردات الحياة المصرية الجميلة المتفردة التي لا تجد لها مثيلاً في العالم أجمع خلال الشهر الكريم..
براعة في الوصف واقتدار في التخييل، وقدرة على التجسيد والتشخيص قلما تجد من يستطيع -في زمننا الجميل هذا!- أن يأتي بقدر ولو قليل من هذا التصوير..
لن أثقل عليكم كثيراً.. فكلام الزيات أقدر على الإبانة من أي تقديم أو تمهيد..
(الراديو.. والحكواتي)
للأديب الكبير/ أحمد حسن الزيات
ألفت منذ سنين أن أزور شهر رمضان في ربوعه الأصلية ومغانيه الباقية. ومن لم يشهد رمضان في حي الحسين، أو في حي الحسينية، أو أمثالهما من الأحياء القديمة لم يشهده في قداسته المهيبة وجلاله الباهر!
كنت في إحدى لياليه الزُهر أخرج متى اسيقظت المشاعر من فترة الصيام وسكرة الطعام، فأعبر القرون العشرة التي تفصل بين قاهرة الملك فؤاد وقاهرة الخليفة المعز، فأجد رمضان العظيم قد نشر بنوده وأعلن وجوده في كل شارع وفي كل منزل! فهو خير يتدفق في البيوت، وبشر يتهلل في الوجوه، وأنس يتطلق في المجالس، وذكر يتضوع (يفوح وينتشر) في المساجد، ونور يتألق في المآذن، وسمر يتنقل في الأندية،، ونفحات من الفردوس ترطب القلوب وتلين الأكباد وترف على ما ذوى (قلّ أو فتر) من العواطف.
فالحوانيت سامرة (ساهرة تتسامر) وإن لم تبع، والمصانع ساهرة وإن لم تنتج، والأبهاء عاطرة بحديث الأحبة حتى نصف الليل، والأفنية عامرة بذكر الله حتى أول السحر. اما كثرة الناس قفد أخذوا مجالسهم من قهوات الحي وباتوا ينضحون مزاجهم "الظامئ" بالفناجيل الروية، ويشققون أحاديثهم الطلية بالنكات المصرية، ثم يستمعون في خشوع العابد وسكون العاشق ولهفة الطفل إلى (القصّاص)، وقد طوّفت به أشباح القرون، وغمغمت في صوته أصداء الزمن، يتربع في صدر المكان منصة عالية من الخشب العتيق، وهو في سمته وهندامه، ولهجة كلامه وطريقة سلامه نموذج العامي الأديب، ومثال الحضري المثقف: حفظ كثيراً من الأشعار فاكتسب ظرف الأدب، وروى صدراً من الأمثال فاكتسى وقار الحكمة، ووعى طائفة من الأخبار فاتسم برقة المنادمة. وهو إلى ذلك بارع النادرة، دقيق الفطنة، عذب المفاكهة، حاضر الجواب، يؤدي إلى هذا الجمهور الغزير الساذج دعوة الواعظ وأمانة المعلم ورسالة الأديب.
ها هو ذا قد فرغ من احتاء القهوة، وجباية (تحصيل ) النقوط ومبادلة السامع المعتاد جميل التحية، ومسارقة الزائر الممتاز رغيب النظر، ثم أخذ يحتفل بالقصص أو الإنشاد، فاحتبست قهقهة "النكتة"، وانقطعت قرقرة "النرجيلة"، وانتشرت سكينة الجد في القهوة، واتجهت عيون الجمع إلى المنصة. ثم رن في سكون القوم ذلك الصوت العريض المتزن يرسل الكلام والأنغام في ترجيع مؤثر وتقطيع معبر وتنويع مطرب. فهو يفخم ويرقق، ويقسو ويلين، ويأنف ويستكين، ويثور ويهدأ، ويسخط ويرضى ويتدلل ويتذلل ويتحمس ويتغزل، كأنه في تعاقب أولئك كله على لهجته وهيئته الأوتار الطيعة تحت الأنامل اللينة البارعة، فيملأ الآذان بالنغم ، والأذهان بالفكر، والقلوب بالشوق، والمشاعر باللذة.
* * *
ذهبت ليلة أمس على عادتي أرود (أزور) المعاهد وأجوس الديار، وأستنشي ما بقي على أطراف الزمن من عبير الفاطميين، فوجدت القاهرة الشرقية لا تزال تتحدى القاهرة الغربية بمساجدها ومدارسها ومستشفياتها وحماماتها وأسواقها، وتعلن بشهادة هذه الآثار أن حضارتها العربية الخالصة إنما كانت تقوم على الدين والعلم والمدنية والإنسانية والعمل، وتزعم بأدلة الاختبار أن هذا المظهر الحسي القوي الرائع الذي يميز حضارة الشرق إنما يرجع إلى أن هذه تقوم على الروح، وتلك تقوم على الآلة، وهذه تصدر عن العاطفة والإيثار، وتلك تصدر عن المنفعة والأثرة. والميزة التي ينبغي أن تكون لحضارة على حضارة إنما هي ضمان السعادة للناس وتحقيق السلام للعالم.
ولكن أين صديقي الشاعر، وأين أخوه القصاص؟ هذا الحي، وهذه هي القهوة، وهؤلاء هم الناس، ولكني وجدت مكان الأريكة المنجدة والحُلة المفوفة والعمامة الفردة صندوقاً من الخشب دقيق الصنع أنيق الشكل، قد علق بالحائط فأغنى غناء القصاص وأبلى بلاء الشاعر !
تركت هذه القهوة ومضيت أتحسس في زوايا الحي وحنايا السوامر ذلك الصوت الذي كان ينبعث من جوف الماضي السحيق شادياً بالمجد والنبل والبطولة فلم أجد له -واأسفاه- جرساً ولا صدى !
لقد هزم هذا الراديو ذلك الحكواتي في كل قهوة، كما هزمت الآلة الإنسان في كل عمل. ففي كل قهوة من هذه القهوات (البلدية) آلة من هذا الاختراع العجيب تغري الأذواق العامية بالفن، وتروض الآذان العصية على الموسيقى، وتنبه العقول الغافلة إلى العلم، وتحبب النفوس المستهترة في الأدب. فهي تقرأ القرآن، وترسل الألحان، وتذيع العلم، وتشيع اللهو، وتنشر البهجة !
إن مخاطر الشهامة (لأبي زيد)، ومواقع البطولة (لعنترة)، ومواقف النبل (لسيف بن ذي يزن)، أصلح لتهذيب العامة فما أظن مما يبثه المذياع كل يوم من النوادر الوضيعة، والأناشيد الخليعة، والألحان الرخوة !
- مجلة (الرسالة)، 30 ديسمبر سنة 1943م.