العودة   .: منتدي الفريق المصري > الفريق المصري الإسلامي > رمضانيـــــــــــات
مركز تحميل الصور التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة


@ كتبوا فى رمضان @

رمضانيـــــــــــات


 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-09-2008, 02:06 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
:: عضو ::
::للضيــاء مزايــا::
 
الصورة الرمزية نور الشمس
 
 

إحصائية العضو








نور الشمس is on a distinguished road

نور الشمس غير متواجد حالياً


المستوي

46 [♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥]

الحياة

450 / 1126

النشاط

1206 / 8459

المؤشر

6%
قـائـمـة الأوسـمـة
افتراضي @ كتبوا فى رمضان @

كذلك حيكون معايا كل اسبوع واحد من الذين كتبوا فى هذا الشهر العظيم ...

1- (رمضان المبارك) لمحمد رشيد رضا



نستهل أولى حلقات (كتبوا في رمضان) بمقال افتتاحي كتبه العلاّمة الراحل الشيخ الجليل "محمد رشيد رضا" أحد رواد النهضة والإصلاح الديني في العصر الحديث، وتلميذ الإمام الشيخ المجدد "محمد عبده".. كتبه لعدد من أعداد مجلة (المنار) العريقة، وهو العدد رقم (43) الصادر بتاريخ الثاني من رمضان سنة 1316 هـ، الموافق 14 يناير 1899م أي أنه كُتب في نهايات القرن التاسع عشر وقبل مطالع القرن العشرين!

كانت مجلة (المنار) في عصرها أكبر مجلة إسلامية في العالم الإسلامي، وأعظمها صيتًا، وأكثرها تأثيرًا، ولا تزال حتى اليوم تحتل مكانة مرموقة في الصحافة الإسلامية، على الرغم من انقطاع صدورها منذ نحو سبعين عامًا! وصدور عشرات المجلات الإسلامية في مختلف الدول والبلدان.

وفي هذا المقال الافتتاحي يكتب الشيخ "محمد رشيد رضا" بلغته الدينية التراثية المحافظة عن الصوم في شهر رمضان ولوازمه الإيمانية والروحية والسعي لتحقيق الكمالات الروحية والإنسانية الشريفة.. مستشهداً بالقرآن الكريم، والحديث الشريف، وأقوال الصحابة والتابعين، ومن تبعهم من السلف الصالح. ويظهر من خلال قراءة المقال أثر ثقافته الدينية والشرعية واضحاً جلياً، وأن دوره الديني والإصلاحي كان له تأثير كبير في صياغته لهذه المقال أو غيره من المقالات العديدة الأخرى التي كتبها في (المنار). فإلى المقال نستمتع به ونفيد منه.



رمضان المبارك[*]
الكاتب: محمد رشيد رضا


استهل هذا الشهر الشريف وثبت بالرؤية شرعاً أن أوله الجمعة (أمس) فأصبح المسلمون صائمين، فأهلاً بشهر أُنزِل فيه القرآن، وهو أكبر نعمة من الله على نوع الإنسان؛ لأنه صدق المرسلين، وزعزع أركان الوثنيين، ووضع أصول الوحدة في الاعتقاد والاجتماع، ودعا إلى الحب والتأليف، وأسس أركان العدالة في الأخلاق والآداب النفسية والعملية، والأحكام القضائية والمدنية، وساوى بين الناس في الحقوق، وأعتقهم من رقِّ العبودية لغير الله، وتمم مكارم الأخلاق، وأرشد إلى الكمالات الروحية، مع عدم إهمال الحقوق الجدية، بل حثَّ على طلب سعادة الدارين معاً، وخاطب العقل وجعله مشرق أنوار الدين، ونبه الناس إلى أن للكون سنناً ثابتة لا تتبدل وهداهم إلى مراعاتها والاعتبار بها ليصلوا إلى كمالهم النوعي.

فأجدِرْ بالمسلمين أن يجعلوا القرآن في هذا الشهر سميرَهم (جليسهم) ومرشدَهم وأميرَهم، وأن يضموا إلى قراءته وإقرائه التدبر لآياته والمذاكرة في معانيه الشريفة والاعتبار بحكمه، والاتعاظ بمواعظه، والتأدُّب بآدابه؛ لئلا يكون حجةً عليهم، فما أقبح من يَقرأ أو يُقرأ عليه مثل قوله تعالى: {لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ} (آل عمران: 61)، وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} (النحل: 105) وهو من الكاذبين، يسمع المقروء عليه وهو يكذب، ويفرغ القارئ من قراءته فيخوض في الكذب مع الخائضين فيكون قد لعن نفسه.

أخرج الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: (اقرأ القرآن ما نهاك، فإن لم ينهك فلست تقرأه)، وأخرجه أيضًا أبو نعيم والديلمي وله شواهد عند غيرهم. وأخرج الطبراني أيضًا من حديث أنس وكذا أبو نعيم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الزبانية أسرع إلى فسقة حملة القرآن منهم إلى عبدة الأوثان، فيقال لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم)..

وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى للقراء: إنكم قد اتخذتم قراءة القرآن مراحل وجعلتم الليل جملاً فأنتم تركبونه وتقطعون به مراحل، وإن من كان قبلكم رأوه رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار. وقال ابن مسعود الصحابي الجليل: (أُنزل القرآن ليعملوا به، فاتخذوا دراسته عملاً، إن أحدكم لَيقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته، ما يُسقط منه حرفًا، وقد أسقط العمل به).

وفي حديث ابن عمر وأبي ذر جندب الغفاري رضي الله عنهما قالا: لقد عشنا دهرًا وأحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم، فيعلم حلالها وحرامها، وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته، لا يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه، فينثره نثر الدَّقَل ( محركة: الرديء من التمر).

قال بعض العلماء: يدل قوله: (لقد عشنا)... إلخ على أن ذلك إجماع من الصحابة. وفي حديث سعد عند ابن ماجه مرفوعًا: اقرءوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكَوْا. قال الإمام الغزالي: (مثال العاصي إذا قرأ القرآن وكرره مثال مَن يكرر كتاب الملك في كل يوم مرات، وقد كتب إليه في عمارة مملكته وهو مشغول بتخريبها ومقتصر على دراسة كتابه، فلعله لو ترك الدراسة عند المخالفة لكان أبعد عن الاستهزاء واستحقاق المقت) فعسى أن يعير القراء والمستمعون هذه البينات التفاتًا ولا يكتفوا بالتلذذ بالنغم وحسن الصوت والإلقاء.

أما الصوم الذي هو عبادة الشهر فرياضة بدنية، وتأديب للشهوة البهيمية، وإشعار للغني المنعَّم بحاجة الفقير المعدم، بحيث تتحرك عاطفة الشفقة بالإحسان إليه، ويعظم في نفسه مقدار نعمة الله عليه؛ لأن الأشياء تدرك قيمتها بفقدها، والأمور تعرف بضدها، فمن غلبته الشهوة على نفسه وملكت عليه أمره فلم يصم، فهو حيواني الطبع يزاحم الخنزير والقرد في خاصيتهما، وإن من الحيوان ما يمسك عن الطعام والشراب لعلة الشرف، فيقال: إن الأسد لا يأكل من فريسة غيره.

[وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب ولغْنَ فيهِ]
والذي يفطر في رمضان أحد رجلين: إما كافر، لا يدين بالإسلام كبعض الذين قتلت أرواحهم أدواء التمدن الإفرنجي، وإن لنا معهم كلامًا نوجهه إليهم في وقت آخر. وإما جهول لئيم ليس له من الإنسان إلا صورته ولا من الدين إلا أنه من طائفة يسمون مسلمين.

والصوم الصحيح يهيئ الإنسان للتقوى فتكون مرجوة منه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183). ومن أدب الصيام كفُّ الجوارح كلها عن المحرمات، وأي اعتبار للكفِّ عن الشهوات المباحة كالأكل والوقاع في الحل مع الانهماك في الشهوات المحرمة كالخوض في الباطل من كذب وغيبة وفحش؟! وفي الحديث الصحيح: (إنما الصوم جُنة، فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث [الرفث محرَّكة : فحش في القول، والجماع ومقدماته] ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم) (أخرجه الشيخان وغيرهما).

وقد ضرب الإمام الغزالي للصائم المنهمك في المعاصي مثل من يبني قصراً ويهدم مصراً قال: فإن الطعام الحلال يضر بكثرته لا بتنوعه، فالصوم لتقليله، وتارك الاستكثار من الدواء خوفًا من ضرره إذا تعداه إلى تناول السم كان سفيهًا، والحرام مهلك للدين، والحلال دواء ينفع قليله ويضر كثيره، وقصد الصوم تقليله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش). (أخرجه النسائي وابن ماجه).

ومن سجايا المسلمين المحمودة في رمضان كثرة الصدقات وكثرة التزاور، وهما من أسباب التحابّ والتآلف، ولو أنهم يجعلون حظًّا من سمرهم في ليلهم المذاكرة في شؤون الأمة والبحث في الأساليب والوسائل التي يمكنهم بها القيام لتربية النشء الجديد في بلادهم وتعليمه ما ينفعه وينفع أمته كلها معه، لأمست منتدياتهم مهبط الفضائل ومبعث روح الحياة العزيزة.

وإننا نرفع التهنئة إلى سيدنا ومولانا أمير المؤمنين وإلى سمو مولانا العباس عزيز مصر، ثم قراء جريدتنا الكرام بالشهر، ونسأل الله تعالى أن يعيده على أهله بالعز والسعادة.

_________
فاتحة العدد (43) من مجلة المنار، المؤرخ في 2 رمضان سنة 1316هـ- 14 يناير (كانون الثاني) 1899م..


















التوقيع

حياتنا هى ما تصنعه ... أفكارنا .. !!

ماركوس أوريليوس [ حاكم الأمبراطوريه الرومانية ]
قديم 04-09-2008, 02:11 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
:: عضو ::
 

إحصائية العضو








مصـراوي is on a distinguished road

مصـراوي غير متواجد حالياً


المستوي

21 [♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥]

الحياة

203 / 509

النشاط

180 / 559

المؤشر

39%
افتراضي



نور الشمس

شكرا لموضوعك

وفي انتظار جديدك دائما

قديم 06-09-2008, 01:19 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
:: عضو ::
::للضيــاء مزايــا::
 
الصورة الرمزية نور الشمس
 
 

إحصائية العضو








نور الشمس is on a distinguished road

نور الشمس غير متواجد حالياً


المستوي

46 [♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥]

الحياة

450 / 1126

النشاط

1206 / 8459

المؤشر

6%
قـائـمـة الأوسـمـة
افتراضي

 مشاهدة المشاركة المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مصـراوي



نور الشمس

شكرا لموضوعك

وفي انتظار جديدك دائما

 
الفاضل: مصراوى
شكرا لمرورك
وكل عام وانت بخير


















التوقيع

حياتنا هى ما تصنعه ... أفكارنا .. !!

ماركوس أوريليوس [ حاكم الأمبراطوريه الرومانية ]
قديم 06-09-2008, 01:26 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
:: عضو ::
::للضيــاء مزايــا::
 
الصورة الرمزية نور الشمس
 
 

إحصائية العضو








نور الشمس is on a distinguished road

نور الشمس غير متواجد حالياً


المستوي

46 [♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥]

الحياة

450 / 1126

النشاط

1206 / 8459

المؤشر

6%
قـائـمـة الأوسـمـة
افتراضي

(الراديو.. والحكواتي)
للأديب الكبير/ أحمد حسن الزيات




ومع ذكريات الكاتب والأديب والرائد الكبير "أحمد حسن الزيات" الذي شهر بالرسالة واشتهرت به الرسالة في مقالته البديعة (الراديو.. والحكواتي) التي كتبها ونشرها في مجلة (الرسالة) ذات التاريخ الطويل والعريق في (30 ديسمبر 1934) وهي إحدى افتتاحياته البديعة للرسالة، يسجل فيها ببيان عربي رائق خواطره وذكرياته الوصفية الأمينة عن شهر رمضان الكريم.. الشهر الذي يشع ويتألق في أحياء مصر المحروسة التي تختلف اختلافاً كبيراً عن غيرها من الأماكن في شتى بقاع الأرض في استقبالها للشهر الكريم..

المساجد والمآذن بأنوارها وزيناتها المتلألئة الزاهية، ومظاهر قدوم الشهر الكريم تنم عليها، والوجوه الفرحة المستبشرة، والذكر والسمر، الخشوع والسهر، وكل ما يدل على مظاهر الحياة والفرح خلال الشهر الجليل..

ويرصد بدقة وأمانة وتمكن التطور والتغيير الذي طرأ على الحياة المصرية في الأربعينيات من القرن الماضي، من خلال ملاحظته لشيوع جهاز الراديو وانتشاره في أماكن التجمع العامة (المقاهي) و(الساحات) وحلوله شيئاً فشيئاً محل الشاعر الشعبي والقصاص (الحكواتي) الذي يقص السير وينشد الأشعار ويسحر الألباب بأدائه وإيقاعه المبدع..

مشاهد حية نابضة بالصوت والصورة واللون والحركة لمفردات الحياة المصرية الجميلة المتفردة التي لا تجد لها مثيلاً في العالم أجمع خلال الشهر الكريم..

براعة في الوصف واقتدار في التخييل، وقدرة على التجسيد والتشخيص قلما تجد من يستطيع -في زمننا الجميل هذا!- أن يأتي بقدر ولو قليل من هذا التصوير..

لن أثقل عليكم كثيراً.. فكلام الزيات أقدر على الإبانة من أي تقديم أو تمهيد..

(الراديو.. والحكواتي)
للأديب الكبير/ أحمد حسن الزيات

ألفت منذ سنين أن أزور شهر رمضان في ربوعه الأصلية ومغانيه الباقية. ومن لم يشهد رمضان في حي الحسين، أو في حي الحسينية، أو أمثالهما من الأحياء القديمة لم يشهده في قداسته المهيبة وجلاله الباهر!

كنت في إحدى لياليه الزُهر أخرج متى اسيقظت المشاعر من فترة الصيام وسكرة الطعام، فأعبر القرون العشرة التي تفصل بين قاهرة الملك فؤاد وقاهرة الخليفة المعز، فأجد رمضان العظيم قد نشر بنوده وأعلن وجوده في كل شارع وفي كل منزل! فهو خير يتدفق في البيوت، وبشر يتهلل في الوجوه، وأنس يتطلق في المجالس، وذكر يتضوع (يفوح وينتشر) في المساجد، ونور يتألق في المآذن، وسمر يتنقل في الأندية،، ونفحات من الفردوس ترطب القلوب وتلين الأكباد وترف على ما ذوى (قلّ أو فتر) من العواطف.

فالحوانيت سامرة (ساهرة تتسامر) وإن لم تبع، والمصانع ساهرة وإن لم تنتج، والأبهاء عاطرة بحديث الأحبة حتى نصف الليل، والأفنية عامرة بذكر الله حتى أول السحر. اما كثرة الناس قفد أخذوا مجالسهم من قهوات الحي وباتوا ينضحون مزاجهم "الظامئ" بالفناجيل الروية، ويشققون أحاديثهم الطلية بالنكات المصرية، ثم يستمعون في خشوع العابد وسكون العاشق ولهفة الطفل إلى (القصّاص)، وقد طوّفت به أشباح القرون، وغمغمت في صوته أصداء الزمن، يتربع في صدر المكان منصة عالية من الخشب العتيق، وهو في سمته وهندامه، ولهجة كلامه وطريقة سلامه نموذج العامي الأديب، ومثال الحضري المثقف: حفظ كثيراً من الأشعار فاكتسب ظرف الأدب، وروى صدراً من الأمثال فاكتسى وقار الحكمة، ووعى طائفة من الأخبار فاتسم برقة المنادمة. وهو إلى ذلك بارع النادرة، دقيق الفطنة، عذب المفاكهة، حاضر الجواب، يؤدي إلى هذا الجمهور الغزير الساذج دعوة الواعظ وأمانة المعلم ورسالة الأديب.

ها هو ذا قد فرغ من احتاء القهوة، وجباية (تحصيل ) النقوط ومبادلة السامع المعتاد جميل التحية، ومسارقة الزائر الممتاز رغيب النظر، ثم أخذ يحتفل بالقصص أو الإنشاد، فاحتبست قهقهة "النكتة"، وانقطعت قرقرة "النرجيلة"، وانتشرت سكينة الجد في القهوة، واتجهت عيون الجمع إلى المنصة. ثم رن في سكون القوم ذلك الصوت العريض المتزن يرسل الكلام والأنغام في ترجيع مؤثر وتقطيع معبر وتنويع مطرب. فهو يفخم ويرقق، ويقسو ويلين، ويأنف ويستكين، ويثور ويهدأ، ويسخط ويرضى ويتدلل ويتذلل ويتحمس ويتغزل، كأنه في تعاقب أولئك كله على لهجته وهيئته الأوتار الطيعة تحت الأنامل اللينة البارعة، فيملأ الآذان بالنغم ، والأذهان بالفكر، والقلوب بالشوق، والمشاعر باللذة.

* * *

ذهبت ليلة أمس على عادتي أرود (أزور) المعاهد وأجوس الديار، وأستنشي ما بقي على أطراف الزمن من عبير الفاطميين، فوجدت القاهرة الشرقية لا تزال تتحدى القاهرة الغربية بمساجدها ومدارسها ومستشفياتها وحماماتها وأسواقها، وتعلن بشهادة هذه الآثار أن حضارتها العربية الخالصة إنما كانت تقوم على الدين والعلم والمدنية والإنسانية والعمل، وتزعم بأدلة الاختبار أن هذا المظهر الحسي القوي الرائع الذي يميز حضارة الشرق إنما يرجع إلى أن هذه تقوم على الروح، وتلك تقوم على الآلة، وهذه تصدر عن العاطفة والإيثار، وتلك تصدر عن المنفعة والأثرة. والميزة التي ينبغي أن تكون لحضارة على حضارة إنما هي ضمان السعادة للناس وتحقيق السلام للعالم.

ولكن أين صديقي الشاعر، وأين أخوه القصاص؟ هذا الحي، وهذه هي القهوة، وهؤلاء هم الناس، ولكني وجدت مكان الأريكة المنجدة والحُلة المفوفة والعمامة الفردة صندوقاً من الخشب دقيق الصنع أنيق الشكل، قد علق بالحائط فأغنى غناء القصاص وأبلى بلاء الشاعر !

تركت هذه القهوة ومضيت أتحسس في زوايا الحي وحنايا السوامر ذلك الصوت الذي كان ينبعث من جوف الماضي السحيق شادياً بالمجد والنبل والبطولة فلم أجد له -واأسفاه- جرساً ولا صدى !

لقد هزم هذا الراديو ذلك الحكواتي في كل قهوة، كما هزمت الآلة الإنسان في كل عمل. ففي كل قهوة من هذه القهوات (البلدية) آلة من هذا الاختراع العجيب تغري الأذواق العامية بالفن، وتروض الآذان العصية على الموسيقى، وتنبه العقول الغافلة إلى العلم، وتحبب النفوس المستهترة في الأدب. فهي تقرأ القرآن، وترسل الألحان، وتذيع العلم، وتشيع اللهو، وتنشر البهجة !

إن مخاطر الشهامة (لأبي زيد)، ومواقع البطولة (لعنترة)، ومواقف النبل (لسيف بن ذي يزن)، أصلح لتهذيب العامة فما أظن مما يبثه المذياع كل يوم من النوادر الوضيعة، والأناشيد الخليعة، والألحان الرخوة !

- مجلة (الرسالة)، 30 ديسمبر سنة 1943م.


















التوقيع

حياتنا هى ما تصنعه ... أفكارنا .. !!

ماركوس أوريليوس [ حاكم الأمبراطوريه الرومانية ]
قديم 19-09-2008, 01:38 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
:: عضو ::
::للضيــاء مزايــا::
 
الصورة الرمزية نور الشمس
 
 

إحصائية العضو








نور الشمس is on a distinguished road

نور الشمس غير متواجد حالياً


المستوي

46 [♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥]

الحياة

450 / 1126

النشاط

1206 / 8459

المؤشر

6%
قـائـمـة الأوسـمـة
افتراضي


(عبادة الأحرار)
لـ "محمود محمد شاكر"



وهذا مقال رائع لشيخ العربية الأكبر في القرن العشرين، الشيخ الجليل "محمود محمد شاكر".. كتبه باللغة العربية الأصيلة، اللغة العربية الجميلة ذات الفخامة والجزالة والرونق.. وتناول فيه الصيام لا من منظور أحكام الفقه وضوابط التشريع، وإنما من منظور إيماني إنساني رحب يكشف فيه عن عظمة القيام بهذه العبادة الجليلة "عبادة الصوم"، ويؤكد على المعاني العميقة والجليلة ذات الآفاق الإنسانية الرحبة التي يجب على المسلمين أن يلتفتوا إليها من قيامهم بهذه العبادة –عبادة الصوم- وأن يبتعدوا عن التفسيرات الساذجة والسطحية والسيئة التي تسيء لمعاني عباداتهم، وتضر بأكثر مما تنفع..

نشر هذا المقال القيم في جريدة (الأهرام) المصرية بتاريخ 15 يوليو 1950 الذي تواكب مع حلول شهر رمضان لذات العام.

حديث رمضان:

عبادة الأحرار

سألتني أن أكتب لك شيئاً عن هذه الكلمة المعذبة: (الصيام). فقد ضرب عليها الناس من الحِكَم، وصبوا عليها من الفوائد ما لو تأملته لم يعدُ أن يكون عرضاً طفيفاً من أعراض التجارب التي تمر بالصائم. ولرأيتهم يبنون فوائدهم وحكمهم على غير منطق، كالذي يزعمونه أن الغنيّ إذا جاع في صيامه أحس بل عرف كيف تكون لذعة (قرصة) الجوع على جوف الفقير، فهو عندئذ أسرع شيء إلى الجود بماله وبطعامه. ثم يزعمون أن الفقير الصائم إذا عرف أنه استوى هو والغني في الجوع قنع واطمأنت نفسه، لا أدري أمن شماتته بالغني حين جاع كجوعه وظمئ كظمئه أم من حبه للمساواة في أي شيء كانت وعلى أي صورة جاءت!

ولا تزال تسمع مثل هذه الحكم حتى كأن ربك لم يكتب هذه العبادة إلا ليعيش الفقير، وليعيش الغني، كلاهما في سلطان معدته جائعاً وشبعان...!

ومنذ ابتلي المسلمون بسوء التفسير لمعاني عباداتهم، ومنذ أدخلوا عليها ما ليس منها ساء أمرهم ودخل عليهم عدوهم من أنفسهم ومن غير أنفسهم، وجعل بأسهم بينهم، وتتابعوا في الخطأ بعد الخطأ حتى تراهم كما تراهم اليوم: ألوف مؤلفة ما بين الصين ومراكش، تستبد بهم الطغاة بل تهاجمهم في عقر دارهم شرذمة من قدماء الأفاقين ومن أبناء الذل والمسكنة، فتمزق أبناء دينهم ولغتهم من الأرض المقدسة شر ممزق. وكل نكيرهم أصوات تضج (تصيح وتعلو)، ثم عودة إلى موائد الشهوات ولذات النفوس ومضاجع الراحة والترف والنعيم: حرصوا على الحياة وأسباب الحياة فذلوا حتى أماتهم الذل ولو حرصوا على الموت وأسباب الموت، لعزّوا به في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

ولقد كتب علينا الصيام لينقذنا من مثل هذا البلاء، ولكنا نسينا الله فأنسانا أنفسنا، حتى صرفنا أعظم عبادة كتبت علينا -إلى معنى الطعام نتخفف منه لتصح أبداننا، ونبذله لنواسي فقيرنا، ونجتمع عليه لتأتلف قلوبنا، ونصوم شهر رمضان فلا تصح لنا أبدان ولا يواسى فقير ولا تأتلف قلوب- وإذا تم بعض ذلك فسرعان ما يزول بزوال الشهر وتنتهي آثاره في النفس وفي البدن وفي المجتمع.

ولو أنصفنا هذه الكلمة المظلومة المعذبة لرأينا الصيام كما كتب على أهل هذا الدين طاعة خالصة بين العبد وربه يأتيها الفقير الهالك ابتغاء رضوان الله، ويأتيها الغني الواجد ابتغاء رضوان الله، ويأتيانها جميعاً في شهر رمضان، ويأتيانها فرادى في غير شهر رمضان، لا ليعيشا في معاني المعدة بالبذل أو بالحرمان بل ليخرجا معاً سواء عن سلطان الطعام والشراب، وليخرجا معا سواء من سلطان الشهوات بل ليخرجا معا سواء من سلطان كل نقيصة: من سلطان الخوف فلا يخاف أحداهما إلا الله، ومن سلطان الرياء فلا يعمل إلا لله. وليس بين الصائم وبين ربه أحد، ولا يحول بينه وبين الاستجابة لربه شيء من أشياء الدنيا أو حاجات البدن أو داعيات الغرائز أو نزوات العقول.

فتأمل معنى الصيام من حيث نظرت إليه هو عتق النفس الإنسانية من كل رق: من رق الحياة ومطالبها ومن رق الأبدان وحاجاتها في مآكلها ومشاربها، من رق النفس وشهواتها، ومن رق العقول ونوازعها، ومن رق المخاوف حاضرها وغائبها، حتى تشعر بالحرية الخالصة، حرية الوجود، وحرية الإرادة، وحرية العمل. فتحرير النفس المسلمة هو غاية الصيام الذي كتب عليها فرضاً وتأتيه تطوعاً. ولتعلم هذه النفس الحرة أن الله الذي استخلفها في الأرض لتقيم فيها الحق ولتقضي فيها بالحق ولتعمل فيها بالحق لا يرضى لها أن تذل لأعظم ولا لأطغى قوى الأرض؛ لأنها أعز سلطاناً منها. وأراد الله أن يكرم هذه العبادات فأوحى إلى رسوله (صلى الله عليه وسلم) أن يخبر الناس عن ربه إذ قال "الصوم لي"، فلا رياء فيه لأنه جرد لله فلا يراد به إلا وجه الله، فاستأثر به الله دون سائر العبادات، فهو الذي يقبله عن عبده، وهو الذي يجزي به كما يشاء.

وقد دلنا الله سبحانه على طرف من هذا المعنى. إذ جعل الصيام معادلاً لتحرير الرقبة في ثلاثة أحكام من كتابه إذ جعل على من قتل مؤمناً خطأ تحرير رقبة مؤمنة وديّة مسلمة إلى أهله: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ} وجعل على الذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعودون لما قالوا تحرير رقبة من قبل أن يتماسا: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}. وجعل كفارة اليمين تحرير رقبة: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ}.. فانظر لما كتب الله على من ارتكب شيئاً من هذه الخطايا الثلاث: أن يحرر رقبة مؤمنة من رق الاستعباد، فإن لم يجدها فعليه أن يعمل على تحرير نفسه من رق مطالب الحياة، ورق ضرورات البدن ورق شهوات النفس، فالصيام كما ترى هو عبادة الأحرار، وهو تهذيب الأحرار وهو ثقافة الأحرار.

ولو حرص كل مسلم على أن يستوعب بالصيام معاني الحرية، وأسباب الحرية، ومقاليد الحرية، وأنِف لدينه ولنفسه أن تكون حكمة صيامه متعلقة بالأحشاء والأمعاء والبطون في بذل طعام أو حرمان من طعام -لرأينا الأرض المسلمة لا يكاد يستقر فيها ظلم لأن للنفوس المسلمة بطشاً هو أكبر من الظلم، بطش النفوس التي لا تخشى إلا الله ولا يملك رقها إلا خالق السموات والأرض وما بينهما. ولرأينا الأرض المسلمة لا يستولي عليها الاستعمار؛ لأن النفوس المسلمة تستطيع أن تهجر كل لذة وتخرج من كل سلطان وتستطيع أن تجوع وتعرى وأن تتألم وتتوجع صابرة صادقة مهاجرة في سبيل الحق الأعلى وفي سبيل الحرية التي ثقفها بها صيامها وفي سبيل إعتاق الملايين المستعبدة في الأرض بغير حق وبغير سلطان. واستطاع كل مسلم أن يكون صرخة في الأرض تلهب القلوب، وتدعوها إلى خلع كل شرك يقود إليه الخوف من الظلم، ويفضل إليه حب الحياة وحب الترف وحب النعمة، وهي أعوان الاستعمار على الناس.

ويوم يعرف المسلمون صيامهم حق معرفته، ويوم يجعلونه مدرسة لتحرير نفوسهم من كل ضرورة وكل نقيصة، فحق على الله يومئذ أن ينصر هذه الفئة الصائمة عن حاجات أبدانها وشهوات نفوسها، الطالبة لما عند ربها من كرامته التي كرم بها بني آدم، إذ خلقهم في الدنيا سواء أحراراً لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى وفعل الخيرات.

ويومئذ ينصرهم على عدوهم ويستخلفهم في الأرض مرة أخرى لينظر كيف يعملون.

.
.
.


















التوقيع

حياتنا هى ما تصنعه ... أفكارنا .. !!

ماركوس أوريليوس [ حاكم الأمبراطوريه الرومانية ]
آخر تعديل نور الشمس يوم 19-09-2008 في 01:44 AM.
قديم 19-09-2008, 01:40 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
:: عضو ::
::للضيــاء مزايــا::
 
الصورة الرمزية نور الشمس
 
 

إحصائية العضو








نور الشمس is on a distinguished road

نور الشمس غير متواجد حالياً


المستوي

46 [♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥]

الحياة

450 / 1126